تحديد الرؤية والمبادئ والمصالح الوطنية

في هذه الأيام المفصلية من تاريخ لبنان الحديث، سيحدّد اللبنانيون نتيجة خياراتهم، هويّتهم وهويّة أبنائهم وأجيالهم القادمة.

علينا مناقشة الأفعال التي تؤدّي إلى تثبيت المصلحة الحقيقية للبنان، في أيام فارقت فيها الحقيقة الحياة. علينا تثبيتها بالأقوال أو الكتابة كحدٍّ أدنى كي لا تندثر.

اليوم أصبحت المبادئ غائبة ضائعة محوّرة، ووجب علينا إعادة تثبيتها وإعادة طرحها وإعادة مناقشتها والتأكّد مما إذا كان اللبنانيون قد أصبحوا في ثقافة أخرى، وما إذا كانت ثقافة المختلف في لبنان قد استبدلت فعلاً بثقافة الآخر، حسبما ما ذهب إليه المفكّر الشهيد سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت".

اليوم يُحدِق بنا خطر نشوء ثقافة جديدة في لبنان تستبدل لبناننا بآخر، فتبقى الجغرافيا ويذهب الإنسان. هذا التحوّل يأتي "رويدًا رويدًا"، وقد نعي بعد ربع قرن أنّنا فقدنا هويّتنا وما كنّا عليه، وقد لا نعي ذلك لأننا نكون قد دخلنا فعلاً في غربة عن الهويّة.

علينا اليوم مواجهة أسئلة عن لبنان الذي نريد، وتحديد الحقيقة وتوضيحها حول لبنان الذي نريد وطرح استراتيجية للحلول.

هذا زمن، فيه خرجت الحقيقة ولم تعد، وخضعت المبادئ لفذلكة وجهات نظر لا تخدم إلا مصالح قلّة ضيّقة؛ فارتأينا أنّه علينا إعادة تثبيت الحقائق التي تنطوي على المبادئ والمصالح الوطنية.

هذا زمن، فيه انحدرت الأخلاق إلى أدنى المستويات، وسيطر اليأس على اللبنانيين المبدئيين. وعليه أصبح قول الحقيقة واجب لا بل مصلحة وضرورة لتوثيق لبناننا الذي عهدناه. علينا تعزيز مبادئنا وإعادة موضعة قضيتنا ومصلحة لبنان بإنقاذ الناس من غسل الدماغ وتلفه وفراغه. علينا كشف عقلية عامّة تغيّرت وانحدرت لخدمة مصالح بعض المستفيدين الخاصّة؛ وممّا فاقم الأمور هو تجاوب بعض الشرفاء معهم تدريجيًا.

معظم الأحزاب والحركات الحديثة فشلت في اتخاذ نهج استباقي ولو أن بعضها كانت نيّته نبيلة، إلا أنّه وقع في أخطاء ممارساته التي أثّرت على استراتيجيته، ولم يعد للشرفاء مطرح في السياسة.

لذا ارتأينا أنّه من الأهمّية بمكان إعادة التوضيح أن القرارات والأفعال، مهما صغرت، لها عواقب وتؤدّي إلى نتائج، وأنّه على الجميع أن يعوا أن هناك مسؤولية لقراراتهم وأفعالهم.

علينا تحديد الرؤية والمصلحة الوطنية، وتظهير القرارات التي تخدم تلك المصلحة من خلال وضوح تلك الرؤية.

إعادة تثبيت الحقائق التي تنطوي تحتها المبادئ والمصالح الوطنية

في زمن الخداع والانحطاط والغش،

مجرّد قول الحقيقة

يصبح فعلاً ثوريًا

جورج أورويل

تمّ شراء ولاء الناس بتقديم خدمات أساسية

عن أي ديمقراطية يتكلّمون؟ لقد اشتروا أصواتها منذ عشرات السنين، والانتخابات اليوم ما هي إلا تكريس شرعي لزعامتهم الفاسدة.

لا يجب أن تكون الديمقراطية مجرّد انتخابات وأكثرية عددية بل هي فعل يومي وأسلوب عيش كامل متواصل.

كيف نستطيع التحدّث عن نزاهة الانتخابات وعن قوانين عادلة وقد اشتروا ولاء الناس بحفنة من الخدمات الشخصية والأساسية مثل التوظيف والتزفيت والوساطات والمحسوبيات في كل شاردة وواردة. أمور من المفترض أن تكون من واجب الحكومة والوزراء لا منّة يتصدّق بها "الزعيم" على طائفته ورعيّته ليضمن ولاءها الأبدي. وقد أتقن معظم الفرقاء هذه اللعبة حتى أصبحت كل ثقافة المجتمع تدور في فلك الخدمات وبذلك خسر المجتمع اللبناني هويته العنفوانية. وهذا أخطر النتائج فالبناء مثلاً إذا تهدّم، من السهل إعادة بنائه، أما المجتمع الذي فقد كرامته ومبادئه فهيهات أن تشفى جروحه أو تعود مبادئه.

هذه هي الممارسة المنحرفة بالمختصر، فكيف نجرؤ بعد ذلك على الكلام عن ديمقراطية؟ كيف ينتخب بديمقراطية مواطن إرادته مسلوبة وفوقها حرّيته الشخصية والعامّة؟!

أكبر خطر على الديمقراطية أن يُشرّع الوضع القائم تحت عنوان عدالة مشاريع الانتخاب، فقبل القوانين يجب أن نعمل على تغيير هذا الوضع بمختلف الوسائل المشروعة.

قبل أن يتحرّر كلّ إنسان وتُؤمّن له حقوقه الأوّلية كمواطن، لن تكون الديمقراطية قائمة ولا فاعلة.

فقبل الاتفاق على قوانين، يجب أن نعمل على تغيير الوضع بتقوية الفرد اللبناني وإشراكه بالمسؤولية.

الزعامة الخدماتية أحقر أنواع القيادة...

على مرّ السنين، وبتفاقم مستمرّ، تطوّرت ثقافة الزعامة السياسية إلى زعامة خدماتية، حتى أصبح الكائن الخدماتي هو الأقوى شعبيًا. وأضرّ ما أضرّه بالبلاد بتكوين مجتمع ضعيف، تابع، فاقد الكرامة ضاربًا مبادئ الشجاعة وعزّة النفس.

وللأسف، نُصّبت زعامات في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة تتلوّن بهذه «الميزة» فقط لا غير. لا فكر ولا مبدأ. وأصبح دفاع جمهورها عنها مستميتًا، فإذا ذهب الزعيم باتجاه اتجه كلّ قطيعه معه.

هذا أحقر أنواع القيادة، إذ بالرياء والولاء لجهات خارجية أو استغلال عصبيات محلّية موروثة، تمكّنت حفنة من تقوية مواقعها وقدراتها الخدماتية على مرّ الزمن والسيطرة على محيطها من خلال تأمين خدمات أساسية تضمن حياة كريمة لكلّ إنسان (من الطبابة إلى التوظيف والكهرباء والسكن...).

وصار المجتمع يخسر مبادئه شيئًا فشيئًا، إلى أن أصبحت الأكثرية الساحقة تعتمد منطق الزبائنية، واضطرّ مع الوقت وعبر السنين معظم المبدئيين للانكسار أمام هذا الواقع.

وأكثر ما يثير الحزن هو بعض الناس الذي اضطرّ للتنازل عن كرامته ليس لتحسين وضع، بل لتأمين عائلته أو حمايتها من الفقر والجوع، إذ كانت شخصيّته متمكّنة للمواجهة لكن حاجات عائلته الحياتية اليومية كسرت له عنفوانه.

يمنّنون الناس بتقديم الخدمات الأساسية كأنها ملكهم، ويبنون زعامتهم عبر السنين باستغلال حاجات الناس اليومية، ممّا يوصلهم إلى مركز ما يسمّى بالزعيم الخدماتي.

استعملوا وزارات ووزارات كأنها ملكهم، لشراء العقول والنفوس والولاء. أخذوا كل حقّ الناس ليتصدّقوا عليهم بقليله مقابل الولاء الأعمى، واليوم يطالبون بمبدأ الديمقراطية!

يبنون زعامتهم عبر السنين باستغلال حاجات الناس اليومية

عن أي ديمقراطية يتكلّمون؟

تمّ إلهاء الناس بمواضيع سخيفة

تغيب المناظرات في ما بين العقائد الفلسفية والفكرية والاجتماعية.

تغيب المقاربات التي من شأنها التمييز بين الصواب والخطأ بمنهجية علمية مدروسة.

يغيب المسح والاستطلاعات والاستفتاءات واتجاهات الرأي العلمية العملية الموضوعية.

تغيب المبادرات التي من شأنها إصلاح المشاكل الفعلية.

بين الجولة والجولة نزاع على سخافات، على عناوين بلا مضمون، على قضايا سطحية تنتمي إلى البرنامج الإلهائي نفسه.

وتنهمر على المواطنين عبارات طنّانة رنّانة بما يوحي بأنها تعالج قضايا كبرى: الثلث المعطّل والثلث الضامن، 8/8/8 أو 9/9/6، الفراغ، التكليف والتأليف والتسويف، الثلثان أو النصف زائدًا واحدًا، نصاب المنتخبين أم نصاب الحاضرين، وزير لفلان أو وزير فلان، وزير خدمات أو وزير دولة، خلاف ومهاترات على إهانة من هنا وأخرى من هناك، حساسية بين زعيم وآخر، المناخ الدولي، البعد الإقليمي، تمديد تجديد تحديد تهديد وعيد... وكل ما ليس يفيد!

بعد أن يلمس البروباغنديون ضجرًا عند الناس وتبرّمًا، يسحبون العبارات الطنانّة الرنّانة إلى الرفوف ويُنزلون بضاعة رائجة، وطنانّة رنّانة، إلى أن يحين دور عبارات موسم آخر، فتعود عبارات الرفوف بحلّة متجدّدة أو تنزل عبارات مستحدثة مطارق على رأس بلد يغيب عن الوعي ويصحو.

الشعب ليس مسؤولاً مباشرًا عمّا تعانيه البلاد من مشاكل ولو كان هنالك مسؤولية جزئية بالوصول إلى هنا، فالمسؤولون الأوّلون هم أولئك الذين لم يحمّلوا أنفسهم عناء الاهتمام بحال الشعب والعمل على إنصافه ووضع حدّ لتضليل المضلّلين وفساد المفسدين من أهل السلطة من زعامات ومؤثّرين، وحتى من المتموّلين المتبرّعين للقضايا الخطأ.

تسميم الناس بأفكار ومواضيع تافهة...

بعض الجهات المنظّمة أو غير المنظّمة تسمّم الناس عن عمد وسابق تصوّر وتصميم بأفكار ومواضيع تافهة غير ذات صلة، ممّا يؤدّي إلى التعتيم على مواضيع أكثر أهمّية.

تأثير هذه المواضيع فادح في تسميم أفكار الشعب وتخديره وشلّ حيويّته، فقد أتى الأخطبوط الدولي والإقليمي إلى هذه الميادين جميعًا وفرض سيطرته عليها ووسمها بطابعه؛ ومعظم وسائل الإعلام تموّل من قبل جهات مشبوهة تطرح المواضيع الإلهائية نفسها.

الرأي العام خاضع لتأثير الدعاية التي توجّهه يومًا بيوم وتنفث سمومها في دمه من دون أن يشعر. الصحافة... التلفزيون... تتولّى تنشئة الجمهور سياسيًا بما تنشر من أخبار وتبثّ من آراء. أحيانًا يجعل الإعلام من حادث تافه بحدّ ذاته قضيّة خطيرة تهزّ الدولة، ويمكنها أن تسدل ستار النسيان على القضايا الحيوية، فلا يلبث الجمهور أن ينساها.

وقسم كبير من الناس غاب عن الاهتمام بالسياسة وأهلها، لأن السياسة غابت عن الاهتمام بقضاياهم المعيشية؛ السياسة المحلّية تعرّت من مفهومها المعاصر بما هو انعكاس للسياسة الاقتصادية الاجتماعية وتجسيد لها.

السياسة المحلية ارتدّت عن العلم والمنطق، وارتدت ثوب الفساد والاستبداد.

واستمرّ البلد طويلاً في انقسام عمودي على قضايا بعيدة عن هموم الناس.

يتلاعبون بعواطف الجماهير ويتصرّفون بمقدراتها ويوجّهونها بما يتّفق ومصالحهم.

يغيب النقاش في ما بين برامج اقتصادية اجتماعية منسجمة مدروسة واضحة التوجّه.

نزاع على سخافات، على عناوين بلا مضمون

بلد يغيب عن الوعي ويصحو

تحديد الرؤية والمبادئ والمصالح الوطنية

هذا زمن، فيه خرجت الحقيقة ولم تعد، وخضعت المبادئ لفذلكة وجهات نظر لا تخدم إلا مصالح قلّة ضيّقة؛ فارتأينا أنّه علينا إعادة تثبيت الحقائق التي تنطوي على المبادئ والمصالح الوطنية.

هذا زمن، فيه انحدرت الأخلاق إلى أدنى المستويات، وسيطر اليأس على اللبنانيين المبدئيين. وعليه أصبح قول الحقيقة واجب لا بل مصلحة وضرورة لتوثيق لبناننا الذي عهدناه. علينا تعزيز مبادئنا وإعادة موضعة قضيتنا ومصلحة لبنان بإنقاذ الناس من غسل الدماغ وتلفه وفراغه. علينا كشف عقلية عامّة تغيّرت وانحدرت لخدمة مصالح بعض المستفيدين الخاصّة؛ وممّا فاقم الأمور هو تجاوب بعض الشرفاء معهم تدريجيًا.

إعادة تثبيت الحقائق التي تنطوي تحتها المبادئ والمصالح الوطنية

معظم الأحزاب والحركات الحديثة فشلت في اتخاذ نهج استباقي ولو أن بعضها كانت نيّته نبيلة، إلا أنّه وقع في أخطاء ممارساته التي أثّرت على استراتيجيته، ولم يعد للشرفاء مطرح في السياسة.

لذا ارتأينا أنّه من الأهمّية بمكان إعادة التوضيح أن القرارات والأفعال، مهما صغرت، لها عواقب وتؤدّي إلى نتائج، وأنّه على الجميع أن يعوا أن هناك مسؤولية لقراراتهم وأفعالهم.

علينا تحديد الرؤية والمصلحة الوطنية، وتظهير القرارات التي تخدم تلك المصلحة من خلال وضوح تلك الرؤية.

في هذه الأيام المفصلية من تاريخ لبنان الحديث، سيحدّد اللبنانيون نتيجة خياراتهم، هويّتهم وهويّة أبنائهم وأجيالهم القادمة.

علينا مناقشة الأفعال التي تؤدّي إلى تثبيت المصلحة الحقيقية للبنان، في أيام فارقت فيها الحقيقة الحياة. علينا تثبيتها بالأقوال أو الكتابة كحدٍّ أدنى كي لا تندثر.

اليوم أصبحت المبادئ غائبة ضائعة محوّرة، ووجب علينا إعادة تثبيتها وإعادة طرحها وإعادة مناقشتها والتأكّد مما إذا كان اللبنانيون قد أصبحوا في ثقافة أخرى، وما إذا كانت ثقافة المختلف في لبنان قد استبدلت فعلاً بثقافة الآخر، حسبما ما ذهب إليه المفكّر الشهيد سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت".

اليوم يُحدِق بنا خطر نشوء ثقافة جديدة في لبنان تستبدل لبناننا بآخر، فتبقى الجغرافيا ويذهب الإنسان. هذا التحوّل يأتي "رويدًا رويدًا"، وقد نعي بعد ربع قرن أنّنا فقدنا هويّتنا وما كنّا عليه، وقد لا نعي ذلك لأننا نكون قد دخلنا فعلاً في غربة عن الهويّة.

علينا اليوم مواجهة أسئلة عن لبنان الذي نريد، وتحديد الحقيقة وتوضيحها حول لبنان الذي نريد وطرح استراتيجية للحلول.

في زمن الخداع والانحطاط والغش، مجرّد قول الحقيقة

يصبح فعلاً ثوريًا

جورج أورويل

تمّ شراء ولاء الناس بتقديم خدمات أساسية

الزعامة الخدماتية أحقر أنواع القيادة...

على مرّ السنين، وبتفاقم مستمرّ، تطوّرت ثقافة الزعامة السياسية إلى زعامة خدماتية، حتى أصبح الكائن الخدماتي هو الأقوى شعبيًا. وأضرّ ما أضرّه بالبلاد بتكوين مجتمع ضعيف، تابع، فاقد الكرامة ضاربًا مبادئ الشجاعة وعزّة النفس.

وللأسف، نُصّبت زعامات في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة تتلوّن بهذه «الميزة» فقط لا غير. لا فكر ولا مبدأ. وأصبح دفاع جمهورها عنها مستميتًا، فإذا ذهب الزعيم باتجاه اتجه كلّ قطيعه معه.

هذا أحقر أنواع القيادة، إذ بالرياء والولاء لجهات خارجية أو استغلال عصبيات محلّية موروثة، تمكّنت حفنة من تقوية مواقعها وقدراتها الخدماتية على مرّ الزمن والسيطرة على محيطها من خلال تأمين خدمات أساسية تضمن حياة كريمة لكلّ إنسان (من الطبابة إلى التوظيف والكهرباء والسكن...).

وصار المجتمع يخسر مبادئه شيئًا فشيئًا، إلى أن أصبحت الأكثرية الساحقة تعتمد منطق الزبائنية، واضطرّ مع الوقت وعبر السنين معظم المبدئيين للانكسار أمام هذا الواقع.

وأكثر ما يثير الحزن هو بعض الناس الذي اضطرّ للتنازل عن كرامته ليس لتحسين وضع، بل لتأمين عائلته أو حمايتها من الفقر والجوع، إذ كانت شخصيّته متمكّنة للمواجهة لكن حاجات عائلته الحياتية اليومية كسرت له عنفوانه.

يمنّنون الناس بتقديم الخدمات الأساسية كأنها ملكهم، ويبنون زعامتهم عبر السنين باستغلال حاجات الناس اليومية، ممّا يوصلهم إلى مركز ما يسمّى بالزعيم الخدماتي.

استعملوا وزارات ووزارات كأنها ملكهم، لشراء العقول والنفوس والولاء. أخذوا كل حقّ الناس ليتصدّقوا عليهم بقليله مقابل الولاء الأعمى، واليوم يطالبون بمبدأ الديمقراطية!

عن أي ديمقراطية يتكلّمون؟ لقد اشتروا أصواتها منذ عشرات السنين، والانتخابات اليوم ما هي إلا تكريس شرعي لزعامتهم الفاسدة.

لا يجب أن تكون الديمقراطية مجرّد انتخابات وأكثرية عددية بل هي فعل يومي وأسلوب عيش كامل متواصل.

كيف نستطيع التحدّث عن نزاهة الانتخابات وعن قوانين عادلة وقد اشتروا ولاء الناس بحفنة من الخدمات الشخصية والأساسية مثل التوظيف والتزفيت والوساطات والمحسوبيات في كل شاردة وواردة. أمور من المفترض أن تكون من واجب الحكومة والوزراء لا منّة يتصدّق بها "الزعيم" على طائفته ورعيّته ليضمن ولاءها الأبدي. وقد أتقن معظم الفرقاء هذه اللعبة حتى أصبحت كل ثقافة المجتمع تدور في فلك الخدمات وبذلك خسر المجتمع اللبناني هويته العنفوانية. وهذا أخطر النتائج فالبناء مثلاً إذا تهدّم، من السهل إعادة بنائه، أما المجتمع الذي فقد كرامته ومبادئه فهيهات أن تشفى جروحه أو تعود مبادئه.

هذه هي الممارسة المنحرفة بالمختصر، فكيف نجرؤ بعد ذلك على الكلام عن ديمقراطية؟ كيف ينتخب بديمقراطية مواطن إرادته مسلوبة وفوقها حرّيته الشخصية والعامّة؟!

أكبر خطر على الديمقراطية أن يُشرّع الوضع القائم تحت عنوان عدالة مشاريع الانتخاب، فقبل القوانين يجب أن نعمل على تغيير هذا الوضع بمختلف الوسائل المشروعة.

قبل أن يتحرّر كلّ إنسان وتُؤمّن له حقوقه الأوّلية كمواطن، لن تكون الديمقراطية قائمة ولا فاعلة.

فقبل الاتفاق على قوانين، يجب أن نعمل على تغيير الوضع بتقوية الفرد اللبناني وإشراكه بالمسؤولية.

يبنون زعامتهم عبر السنين باستغلال حاجات الناس اليومية

عن أي ديمقراطية يتكلّمون؟

تمّ إلهاء الناس بمواضيع سخيفة

تسميم الناس بأفكار ومواضيع تافهة...

بعض الجهات المنظّمة أو غير المنظّمة تسمّم الناس عن عمد وسابق تصوّر وتصميم بأفكار ومواضيع تافهة غير ذات صلة، ممّا يؤدّي إلى التعتيم على مواضيع أكثر أهمّية.

تأثير هذه المواضيع فادح في تسميم أفكار الشعب وتخديره وشلّ حيويّته، فقد أتى الأخطبوط الدولي والإقليمي إلى هذه الميادين جميعًا وفرض سيطرته عليها ووسمها بطابعه؛ ومعظم وسائل الإعلام تموّل من قبل جهات مشبوهة تطرح المواضيع الإلهائية نفسها.

الرأي العام خاضع لتأثير الدعاية التي توجّهه يومًا بيوم وتنفث سمومها في دمه من دون أن يشعر. الصحافة... التلفزيون... تتولّى تنشئة الجمهور سياسيًا بما تنشر من أخبار وتبثّ من آراء. أحيانًا يجعل الإعلام من حادث تافه بحدّ ذاته قضيّة خطيرة تهزّ الدولة، ويمكنها أن تسدل ستار النسيان على القضايا الحيوية، فلا يلبث الجمهور أن ينساها.

وقسم كبير من الناس غاب عن الاهتمام بالسياسة وأهلها، لأن السياسة غابت عن الاهتمام بقضاياهم المعيشية؛ السياسة المحلّية تعرّت من مفهومها المعاصر بما هو انعكاس للسياسة الاقتصادية الاجتماعية وتجسيد لها.

السياسة المحلية ارتدّت عن العلم والمنطق، وارتدت ثوب الفساد والاستبداد.

واستمرّ البلد طويلاً في انقسام عمودي على قضايا بعيدة عن هموم الناس.

يتلاعبون بعواطف الجماهير ويتصرّفون بمقدراتها ويوجّهونها بما يتّفق ومصالحهم.

يغيب النقاش في ما بين برامج اقتصادية اجتماعية منسجمة مدروسة واضحة التوجّه.

تغيب المناظرات في ما بين العقائد الفلسفية والفكرية والاجتماعية.

تغيب المقاربات التي من شأنها التمييز بين الصواب والخطأ بمنهجية علمية مدروسة.

يغيب المسح والاستطلاعات والاستفتاءات واتجاهات الرأي العلمية العملية الموضوعية.

تغيب المبادرات التي من شأنها إصلاح المشاكل الفعلية.

بين الجولة والجولة نزاع على سخافات، على عناوين بلا مضمون، على قضايا سطحية تنتمي إلى البرنامج الإلهائي نفسه.

وتنهمر على المواطنين عبارات طنّانة رنّانة بما يوحي بأنها تعالج قضايا كبرى: الثلث المعطّل والثلث الضامن، 8/8/8 أو 9/9/6، الفراغ، التكليف والتأليف والتسويف، الثلثان أو النصف زائدًا واحدًا، نصاب المنتخبين أم نصاب الحاضرين، وزير لفلان أو وزير فلان، وزير خدمات أو وزير دولة، خلاف ومهاترات على إهانة من هنا وأخرى من هناك، حساسية بين زعيم وآخر، المناخ الدولي، البعد الإقليمي، تمديد تجديد تحديد تهديد وعيد... وكل ما ليس يفيد!

بعد أن يلمس البروباغنديون ضجرًا عند الناس وتبرّمًا، يسحبون العبارات الطنانّة الرنّانة إلى الرفوف ويُنزلون بضاعة رائجة، وطنانّة رنّانة، إلى أن يحين دور عبارات موسم آخر، فتعود عبارات الرفوف بحلّة متجدّدة أو تنزل عبارات مستحدثة مطارق على رأس بلد يغيب عن الوعي ويصحو.

الشعب ليس مسؤولاً مباشرًا عمّا تعانيه البلاد من مشاكل ولو كان هنالك مسؤولية جزئية بالوصول إلى هنا، فالمسؤولون الأوّلون هم أولئك الذين لم يحمّلوا أنفسهم عناء الاهتمام بحال الشعب والعمل على إنصافه ووضع حدّ لتضليل المضلّلين وفساد المفسدين من أهل السلطة من زعامات ومؤثّرين، وحتى من المتموّلين المتبرّعين للقضايا الخطأ.

نزاع على سخافات، على عناوين بلا مضمون

بلد يغيب عن الوعي ويصحو